EW : من حقي ان ادرس

على مر السنوات ،مازال مشكل التعليم في بلادنا معضلة يجتمع من أجلها المختصون كل مرة في جلسة تحليلية، وينتهي الاجتماع بتغييرات طفيفة في البرنامج السنوي ، و تبقى المشاكل العميقة في النظام قائمة ، دون أي تغيير ، أو حتى محاولة تدارك الموقف وإنقاذ هذا القطاع الهام الذي هو شريان النجاح ،و تبقى هذه المعضلة عائقا أمام الأجيال ، وسببا رئيسيا في ارتفاع نسبة المشاكل الاجتماعية ، إضافة للآثار السلبية التي لا يمكن تجاهلها على جميع القطاعات و المجالات ، فإن كان التعليم معطوبا ، هل يمكن لأي مجال آخر أن يزدهر ؟ تقتضي معالجة هذا الموضوع المتشعب كمًّا من التركيز والتدقيق ، حيث تتعدد الحلول و تختلف باختلاف الجانب المدروس ، فنجد من جهة الحلول المؤقتة التي لا يمكن أن تثمر ، نظرا لعمق المشكل وأبعاده . و من جهة أخرى حلول تساهم في تغيير الوضع الحالي لقطاع التعليم نذكر منها : – التخلي عن تبني الأساليب و المناهج الأجنبية التي تؤثر سلبا على أسلوب حياتنا . – التخلي عن نظام الواجبات المنزلية ، التنقيط ، أو حثهم على التحضير للفروض والاختبارات -الذي يكاد يكون أعمى – بغرض تقييمهم و مقارنتهم ، ما يساهم بدوره في تعظيم الهوة بين الطالب والمدرسة ، مما يؤدي إلى التفكير في كيفية التهرب من هذه الواجبات ، و يضيع الهدف الحقيقي للتعليم . -إعطاء مفهوم جديد ومختلف للنجاح الدراسي ، فبدل أن يكون مجرد معدلات وعلامات ، يكون بالفعل ثمرة سنوات من الاجتهاد في سبيل تطوير الذات و اقتناص المعلومات و تكريس الوقت والجهد فيما هو مفيد. هل حقا النظام المتبع حاليا في تقييم الطلاب في مختلف الأطوار يحدد المستوى الحقيقي للطالب ؟ ما معنى أن يكون الطالب راسبا ؟ لابد ان نبحث جديا في هذه المعايير التي يُعتمد عليها في تقييم الطلبة ، فلا يمكن أن تعكس علامة على ورقة الامتحان ذكاء الطالب ، أو مستقبله. وإن كانت هنالك معايير * أكاديمية* ،مدروسة بعناية فائقة ، إذن ، لماذا تسببت هذه الأخيرة في موجة من الإحباط ؟ لماذا ينفر بسببها الطلبة من المدارس ؟ إن كانت هنالك مقاييس مضبوطة تسير عليها المنظومة التربوية ، مقاييس لا يمكن التخلي عنها لأنها الحقيقة الثابتة ، إذن لماذا تقودنا هذه الحقيقة الى واقع دراسي كارثي ؟ تقبّل هذه الوضعية مع وجود الدلائل والبراهين الحية التي تثبت انها استراتيجية اقل ما يقال عنها فاشلة هو تناقض كبير ، كيف يفترض بنا أن ننجح ونحن نعمل بنظام ندرك جميعا أنه يحطمنا ؟ -مشكل اكتظاظ المدارس ، بشهادة عدة مدرسين ، حيث يكاد يستحيل تدريس مجموعة كبيرة من الطلبة داخل قسم واحد مما يضطر المدرسين للتخلي عن مختلف النشاطات التي تساعد على تنمية قدرات المتعلم. و بالتالي يكون رفع الميزانية المخصصة لهذا القطاع أولى من هدرها في مشاريع عقيمة و قطاعات أخرى أقل أهمية . -توفير الوسائل البيداغوجية ، و الحرص على تزويد مختلف المدارس بها ، لأنه لا يمكن للمتعلم أن يكتفي بالشرح النظري ، بينما في ميدان التطبيق ، يقتضي الامر خبرة ومعرفة مسبقة بمختلف الوسائل الضرورية ، فيجد المتعلم نفسه أمام قضية جهل كان يمكن حلها عن طريق اهتمام اكثر بتوفيى طرق تدريس ناجعة . وهنا نشير إلى ضرورة توفير وسائل العرض من أجل فعالية أكثر في تقديم الدروس ،و تغيير المنهجية التي يقدم بها المدرس الفكرة والمعلومة لطلبته . -تحطيم استراتيجية التلقين و دفع الطلبة لاعتماد وسائل جاهزة كبديل للإبداع : يجب أن يكون البرنامج الدراسي محفزا للطالب ، يمده بما يلزمه من زاد في مختلف المجالات ، بعيدا عن تقييد الطالب لتعليمات يجب اتباعها بحزم و صرامة .فحشو عقول المتمدرسين بآلاف المعلومات التي يتم حفظها عن ظهر قلب ،و استفراغها على أوراق الامتحان هو جريمة في حق العلم ، منذ متى كان العلم جهدا مبذولا في سبيل الشحن والتفريغ ؟ كيف نستخرج الأفضل من عقول طلبتنا إذا كان واجبهم هو اجترار المعلومات ؟
هنا يجب إعادة النظر في نوعية النشاطات المطروحة في الميدان ، حيث يُستلزم تخصيص مدة معتبرة للطلبة يتناقشون فيها و يطورون آداب الحوار ، كيفية بناء نقاش مثمر يخرجون منه بنتيجة ، حتى يمكن أن تكون بداية الدرس الخوض في موضوع معين ، ومن خلال النقاش نصل الى خلاصة تكون هي الأخرى بوابة الى فحوى الدرس ولبه ، فيضرب المعلم عصفورين بحجر واحد ، تطوير كفاءة المتعلم في أدب الحوار و أسلوب الاقناع في النقاش من جهة، و الوصول الى بيت القصيد في الدرس المطروح . قد يكون هذا الأسلوب ناجحا في المواد ذات الطابع الاجتماعي ، أو في اللغات حتى ، أما جانب المواد الكونية والرياضيات فيبقى عالمًا يستوجب التجارب ، و رؤية الظاهرة و التحقق من الفرضيات ، بدل أن يتخيل الطالب القوانين الفيزيائية و يضطر إلى تقبل كل ما يمنحه معلمه بطريقة جامدة ، فمن المهم جدا أن لا نطمس عنصر الاستكشاف في نفس المتعلم ، وأن لا نخمد حسه في تحري حقائق الأمور بنفسه . و هذا مرتبط بكفاءة الأساتذة في تشجيع طلبتهم على تنمية هذه الروح فيهم .
لم تعد الطرق التقليدية كالاعتماد على الصور في الكتاب المدرسي أو الأمثلة الجافة طريقة مفيدة للتلقين ، و من هنا يصبح التفكير في جذب انتباه المتعلم هو المهمة الأساسية لكل مُدرّس يطمح في ترقية مستوى التحصيل العلمي في مدارسنا ، فالتمسك بالطرق العتيقة لن ينجب جيلا مبدعا . – إنشاء بنية حديثة للصف ، ليس مجرد طاولات مصفوفة تحد من إبداع العقول القابعة خلفها ، بل جعل القسم عالما خاصا بالطالب . -تطوير ثقافة القراءة ، و دعم الطلبة بكل ما يلزم من أجل النشاطات الثقافية و تنظيم النوادي فهي تنمي حس العمل الجماعي ،الكفاءة و القدرات لدى الطالب . لكن التضارب بين الحصص الدراسية و أنشطة النوادي والتنظيمات يضع الطالب في ضغط فيضطر الى التخلي عن أحدهما .مما يستوجب توفير الأماكن و تحديد أوقات ملائمة من طرف المؤسسات . – الاهتمام باللغات : ابتداءً من مرحلة الابتدائي ، من المهم جدا أن يتم إضافة لغة أخرى الى البرنامج الدراسي و تخفيف ضغط الدراسة مما يسمح للطلبة بالتعلم أكثر ، لكن مع وجود عشرات الواجبات المنزلية سيكون سهلا رفض هذا الحل ، و هنا نرجع الى ضرورة التخلي عن أسلوب التقييم العقيم . دفعة بعد أخرى يواجه الطلبة مشكل اللغة ، إن لم نلتفت الى هذا المشكل ونتعمق في أسبابه . حيث يقتضي حل هذه المشكلة تدريبهم على الحديث أمام جمهور، ادماج المناظرات في نظام التعليم بشكل دوري ،استهداف نقاط الضعف لدى الطلبة ومحاولة معالجتها.من الضروري أن تتوفر المدارس على طاقم مختص في التوجيه و الإرشاد ( أطباء نفس و مستشارو توجيه) فمن الصعب على المعلم أن يقوم إضافة إلى دوره بهذه المهمة ، حيث يقوم هذا
الطاقم برفع تقارير مفصلة لما يعانيه أبناؤنا من أجل إيجاد الحلول الفورية ، العناية بأوضاعهم بشكل مستمر . على ذكر التوجيه ، لا يمكننا ان نتجاهل التوجيه الاعمى الذي يتلقاه الطلبة ، دفعهم لاعتناق الشعب العلمية بحجة انها المنفذ الوحيد بعد مرحلة الثانوي ، وأن الشعب الأدبية لقليلي الحيلة ، هذا من ابرز المشاكل التي تواجهنا، حتى بالنسبة لأولياء الطلبة ، لهذا يجب النظر بجدية في هذا الجانب ،دعم جميع التخصصات وتشجيع الطلبة على اختيار ما يريدونه ، لا مزيد من كبح الطموحات و إحراقها. لا حصد دون زرع ، المشاكل لا تُحل من تلقاء نفسها ما دمنا مكتوفي الأيدي ، نحن من يخلق التغيير ،هنا نتطور وهنا نطور ،إن لم نتخذ القرار الحاسم ،فما نفع الاوصاف والالقاب والشهادات والرتب ونحن عاجزون أمام المشكل، صامتون لتفاقمه .

Comments

Top